محمد طاهر الكردي
141
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فلما أصبحنا ذهب الإخوان لزيارة خالهما المقيم بمستورة ، فدعانا خالهما الشيخ محمد نور بن مثنى المحمدي للغداء عنده ودعا معنا سعادة أمير مستورة الشيخ مبارك بن سليمان . وهو مع احتفاظه بهيئته العربية رجل كريم وقور ذكي عاقل ، يعرف القراءة والكتابة ويدرك الأمور بالإشارة ، قضينا ذلك اليوم في مستورة وأردنا السفر إلى الأبواء ولكن دعانا سعادة أمير مستورة للغداء عنده في اليوم الثاني واعتذرنا فلم يقبل ، فمكثنا يوما آخر بمستورة إجابة لدعوته وقد طفنا حولها قليلا ، فإذا هي واسعة فسيحة يسكن أهلها في بطونها ووديانها في بيوت من العشاش ، وفيها مركز لخفر السواحل قرب البحر به ضابط وجنود . وقد أخذنا الشيخ محمد نور المحمدي المذكور إلى البحر في زورق شراعي فمكثنا في لجة البحر نحو ثلاث ساعات نصيد الحوت . فمستورة مشهورة بكثرة الحوت وجودة الهواء ، ومن الطريف أن ولدنا عبد الرحمن الكردي كان خائفا كثيرا من ركوب البحر وما اطمأن إلا بعد أن أكل حوتا مشويا في وسط البحر ، وما ألذ الأكل بعد الخوف والجوع والاطمئنان . يبلغ عدد سكان مستورة أكثر من ثلاثة آلاف نسمة يشتغلون بصيد الأسماك وبالزراعة في الشتاء عند نزول الأمطار ، وأهل مستورة أهل صدق وأمانة ودين واستقامة ، وهم أبعد الناس عن الفسق والفجور وشرب المسكرات وارتكاب المحظور ، وإذا حصلت بينهم مشاحنات ومخاصمات فإن عقلاء القرية يصلحون بينهم . وأرض مستورة ما كان منها منخفضا فتربتها صالحة للزراعة عند نزول الأمطار يزرعون فيها الحبحب والخربز والقثاء وغيرها ، وما كان منها مرتفعا فأرضها مفروشة بالحجارة الملساء السوداء بحجم البطاطس يسمونها ( الصّمد ) أي أنها ليست حرة ولا صخورا ، ونظن أن أصلها ( الصّلد ) باللام أي الصلب كما في اللغة فحرفت ونطقوها بالميم - وفي مستورة عدة آبار ماؤها فيه ملوحة قليلة والماء الحلو العذب يأتي إليها من رابغ بالسيارات الوايتات ، يعطى لهم مجانا من قبل الحكومة . ولقد أخبرنا سعادة أمير مستورة الشيخ مبارك بن سليمان أنه سمع بوجود بئر قديمة بمستورة لكنها أطبت بالحجارة العظيمة ولا يعرفون مكانها ، فأتى بأهل المعرفة من البدو فما زالوا يبحثون عنها حتى عثروا على مكانها ، فقام الأمير